أبي منصور الماتريدي
68
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فقد ظلموا أنفسهم ؛ لما رجع « 1 » ضرر ذلك التعدي إليهم . وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة والابتلاء من المن والسلوى ، والعيون ، والغمام ، ويدل هذا على أن عقوبات الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة ، وكذلك لذات الدنيا قد يمازجها شدائد وهموم ، فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة ، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق اللذات . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . قال عامة أهل التأويل : قوله : اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس « 2 » . وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة المائدة ، وهو قوله : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [ المائدة : 21 ] أمرهم بالدخول فيها ، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم ، وأمرهم - [ هاهنا ] « 3 » - بالسكون فيها ، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا . وقوله - عزّ وجل - : وَقُولُوا حِطَّةٌ . أي : ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار ، لا قولهم : حط عنا كذا ، وهو كما قال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [ هود : 3 ] ، أي : ائتوا بالسبب الذي به يغفر ، وهو التوحيد . وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الآية . قد مضى ذكر هذا في السورة التي فيها ذكر البقرة « 4 » . وقوله - عزّ وجل - : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ . هذا - أيضا - ذكرناه فيها « 5 » ، سوى أنه ذكر - هاهنا - فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً ، وذكر في سورة البقرة : فَأَنْزَلْنا [ البقرة : 59 ] والقصة واحدة ؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام ، ولا تغييرها ، وذكر هاهنا : بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ، [ وذكر ] « 6 » هنالك : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف : 163 ] ، والفسق هو الخروج عن الأمر ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، وقد كان منهم الأمران جميعا : الخروج
--> ( 1 ) في ب : لما يرجع . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 90 ) ، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 46 - 47 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) آية ( 58 ) . ( 5 ) آية ( 59 ) . ( 6 ) سقط في أ .